قصيدة: كُلٌ وكُمَيره – (كآبة) للشاعر الفرنسيّ: شَاْرْلْ بُوْدْلِيْرْ Charles Baudelaire

ترجمة: عنفوان فؤاد

قصيدة: كُلٌ وكُمَيره –  (كآبة)

للشاعر الفرنسيّ: شَاْرْلْ بُوْدْلِيْرْ Charles Baudelaire 
ترجمة الشاعرة الجزائرية: عنفوان فؤاد

تحت سماءٍ رمادية واسعة، في سهلٍ كبيرٍ مُغَبر، بلا دروب، بلا عشب، بلا شوك، ولا حتى قرّاص، التقيتُ بكثيرٍ من الرجال يمشون منحنين.
كل منهم يحمل على ظهره “كُمّيرًا” هائلاً، أثقلَ من كيسِ طحينٍ أو فحمٍ، أو عتادِ جنديٍّ روماني.
لكن المسخ المتوحّش لم يكن ثقلاً جامدًا؛ على العكس، كان يطوق مُخضعًا الرجل من عضلاته المتمدّدة والقويّة؛ يلتصق بمخلبيه الواسعين على صدر مطيّته؛ ورأسه الأسطوري يعلو جبهة الرجل، مثل تلك الخوذات الرهيبة التي يأمل المحاربون القدامى أن تزيدَ من فزعِ العدوّ بها.
سألت أحد هؤلاء الرجال إلى أين يتجهون هكذا، أجابني إنه لا يدري عن الأمر شيئًا، لا هو ولا البقية، ولكن من الواضح أنهم كانوا في طريقهم إلى مكان ما، ما داموا مدفوعين بحاجةٍ قصوى للسير…
الشيء المثير للغرابة: أن لا أحد من هؤلاء المسافرين بدا عليه التوتر أو القلق من وجود الوحش الشرس المتعلّق بعنقه والملتصق بظهره؛ حيث يعتبره كأنّه جزء لا يتجزأ منه.
لا يبدو أي يأس على كلّ هذه الوجوه الجادّة والمتعبة؛ تحت قبّة السماء المتجهمة، الأرجل غارقة في غبرة أرض جرداء تمامًا كما السماء. كانوا يسيرون الهوينى بملامحهم المستسلمة الراضية، ملامح أولئك المحكومين دائمًا بالأمل.
مرّ الموكب بجانبي، وغاص في محيط الأفق الغامض، حيث يختبئ سطح الكوكب من فضول عيون البشر.
ما هي إلا بضع لحظات، حتى تملكتني رغبة جامحة لفك هذا اللغز المخيف؛ ولكن سرعان ما حلّ بي شعورٌ طاغٍ باللامبالاة، وكنت مثقلاً بالإرهاق بشكلٍ أكبر مما كانوا عليه هم أنفسهم “بكُمَيرهم” الساحق.
………………………. 
(*)الكُمير: حيوان خرافيّ، من الأساطير الإغريقية، يشتمل على عدة أجزاء من حيوانات مختلفة؛ ينفخ النار، في هيئة أسد وبمؤخّرته رأس مِعزى، أما ذيله فينتهي برأس ثعبان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *