المسرح والحبّ

حاتم التليلي محمودي

المسرح والحبّ
.

في الفصل السادس من كتابه “في مديح الحب“، أجرى آلان باديو توقيعا طريفا عن الحب والفن وركّز بشكل خاص عن الفن المسرحي. إنّ أعظم ما يعلّمنا إياه المسرح هو محو ذلك الاعتراض بين الفكرة والجسد، إنهما يمتزجان بشكل غير قابل للتمييز، وهذا الأمر مقصد في الحبّ بوصفه محوا لانفصال الجسد عن الفكرة أو الروح، ضرب من العناق الجسدي والغواية الجنسية حيث ثمّة شبق لا تلجمه أيّة قوّة. للتدليل على هذه الأطروحة القائمة على تشابه المسرح بالحبّ، يتحدث آلان باديو عن صعوبة ادماج الفكرة في الجسد: نحن نعثر على تلك العبارة التي يكررها المخرج للممثلين في كلّ مرّة: “فلنكرّر المشهد مرّة أخرى“، ولكننا نعثر على نفس الأمر في الحبّ حيث تتردّد تلك العبارة دائما بين العاشقين:”قل مرّة أنك تحبني”، قلها بطريقة أجمل أو بطريقة أخرى. إن المسرح كما الحبّ، كلّ منهما يعشق التكرار والإعادة إلى حين تحلّ فيه الفكرة في الجسد.
من جهة أخرى، يرى باديو أنّ الفنّ المسرحي هو أكثر الفنون تعبيرا عن الحبّ، إنه ضرب من الإثم التراجيدي القائم على الرفض والغضب، لذا هو يكتب واضعا في سياقات أطروحته بعض النصوص لبيكيت، ويتحدث بالقول “إن الحب هو ذلك العنصر القويّ والثابت الذي وجودها في مظهر كارثي، والحب هو القوّة الخفية لهذه الكارثة”. على النحو نفسه سنكتشف أن الحب تعبير عن انفصام المجتمع المسرحي نفسه، فنحن حين ننتهي من عمل مسرحي بشكل نهائي سنفترق، ويعود كل منا إلى حياته القديمة، لا شيء يربط الفرد المسرحي بمن أحبهم طيلة تلك الفترة سوى تلك الأكذوبة التي يتم تشغيلها وفق هذه العبارة: “فلنبق على اتصال”، وفي النهاية لن يتصل أحدنا بالآخر إلا من باب المصلحة لا الحبّ. إن ما يمكن أن يحدثه الحب في سياق كهذا هو الاعتراض على تجربة الانفصام، إن مجتمعنا المسرحي في حاجة إلى روابط أكثر من تلك الكلمة “فلنبق على اتصال”.
أن نحبّ مسرحيّا، فذلك يعني أن نهب الجسد إلى سكاكين اللغة، وذلك لا يعني أن نكون مثل تلك الشخصيات المسرحية التي جرى توقيعها من قبل كتّاب مسرحيين كبار، فهي شخصيات نجحت في خداع الآباء والملوك من أجل لقاء في الحب انتهى بالموت أو الزواج، طبعا، إن ذلك “انتصار للحب، ولكنه ليس انتصارا لاستمراريته”، لا لشيء إلا لأنّ العناد في سبيل الحب انتهى. وأن نحب مسرحيّا فذلك يعني أننا نشبه دائما تلك اللحظة من التوهّج الجنسي بين عاشقين بوصفها لحظة سرمديّة لا تخضع للقوانين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *